Menu

ورقة بحثية : نحو اشتقاق مهام وإجراءات عملية لتحرير الأسرى ولإفشال قانون إعدام الأسرى

عليان عليان

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

جرت العديد من الإدانات لقانون إعدام الأسرى، الذي جرت الموافقة عليه في البرلمان الصهيوني " الكنيست" في مارس / آذار الماضي ، ووصفه بأنه عنصري وفاشي ومناقض للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة ، فهذه الإدانات والتوصيفات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس وووتش ومجلس حقوق الإنسان على أهميتها، لا تلامس الحقيقة الجوهرية في أن هذا القانون الفاشي ناجم عن برلمان لنظام كولونيالي استعماري استيطاني إجلائي لا يأبه للقانون الدولي ولا للمنظومة القيمية الإنسانية ، بدعم غير محدود من إمبريالية الولايات المتحدة.

ولعل عشرات المجازر التي ارتكبت في فلسطين قبل عام 1948 على يد العصابات الصهيونية ، وبعد هذا التاريخ – تاريخ النكبة - وصولاً لحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة التي راح ضحيتها حتى الآن ما يزيد عن72,587 شهيداً و172,381 إصابة ، والتي أدت إلى تدمير أكثر من 80 في المائة من مباني القطاع وبنيته التحتية ، تؤكد أن ما صدر ويصدر عن هذا الكيان منسجم مع طبيعته الإجرامية الكولونيالية.

وما يجب الإشارة إليه ابتداء أن لجوء بعض المؤسسسات الحقوقية الفلسطينية ، كمركز عدالة - الذي نقدر دوره - إلى تقديم التماسات للمحكمة العليا الإسرائيلية ، لإلغاء هذا القانون لن يؤدي إلى أية نتائج عملية وإن كان يفيد في معركة تكتيكية لكسب الوقت لتعطيله برهة من الزمن. فهذه المحكمة بقرارتها تضفي شرعية على جرائم الاحتلال منذ نشوء الكيان الغاصب على أرض فلسطين ، ناهيك أن هذه المحكمة شأنها شأن الكنيست من مخرجات الاستعمار الصهيوني الكولونيالي الإجلائي في فلسطين.

 

الإعدام في مواجهة المقاومة المسلحة

فالقانون الصهيوني الجديد يعاقب الأسير الفلسطيني بعقوبة الإعدام إذا ما نفذ عملية قتل للمغتصبين الصهاينة من جنود ومستوطنين، أي إذا كان ينطوي على خلفية أمنية سياسية ضد الاحتلال كما أنه يزدري كالعادة القوانين الدولية التي تشرعن المقاومة ضد الاحتلال بكافة أشكالها بما فيها الكفاح المسلح ، ومن الطبيعي أن يسن العدو هذا القانون انسجاماً مع طبيعته الفاشية الكولونيالية.

وحسب مدير مركز عدالة الحقوقي الدكتور حسن جبارين " فإن القانون الصهيوني الجديد يتميز بصرامته اتجاه ظروف تنفيذ القتل، حيث يمنع القاضي من الأخذ بأي ظرف مخفف بعين الاعتبار، ولا يسمح للسلطة التقديرية باستخدام مراعاة الظروف الشخصية للمتهم ومن ثم فإن كل حالة يجب البتّ فيها وفق أن تكون القاعدة هي الإعدام، والاستثناء نادر جدا ويستلزم مبررا قويا ومصداقية خاصة تحول دون تنفيذ الإعدام.

كما ينص القانون على "حظر تقديم استرحام أو تخفيف العقوبة من قبل الحاكم العسكري الصهيوني في الضفة الغربية، ووجوب تنفيذ عقوبة الإعدام خلال مدة لا تتجاوز 90 يوما من صدور الحكم وخلال هذه الفترة لا يسمح للمدان أو المحكوم عليه باللقاء مع أهله أو عائلته" وهو ما يعكس الصرامة المطلقة في تطبيق هذا القانون.

ما يجب الإشارة إليه أن الاحتلال الصهيوني يمارس عمليات الإعدام والقتل ضد الأسرى الفلسطينيين منذ نشوء الكيان الغاصب على أرض فلسطين، ولم يكن بحاجة لسن هذا القانون فمئات الأسرى قتلوا نتيجة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد، وبعضهم لا يزال محتجزاً في الثلاجات منذ عشرات السنين وبعضهم دفن في ما تسمى بمقابر الأرقام . ووصلت الأمور إلى ذروتها في القتل الممنهج للأسرى الفلسطينيين من قطاع غزة، بعد معركة طوفان الأقصى وما حدث في معتقل سيدي تمان – على سبيل المثال لا الحصر- لأكبر دليل على ذلك. حيث تفنن الجلاد الصهيوني في تعذيب الأسرى وتجويعهم واغتصاب العديد منهم ما أدى إلى استشهاد عدد لا بأس به من الأسرى.

وحسب بيان مركز فلسطين لدراسات الأسرى في 12 يناير (كانون ثاني) الماضي فقد ارتفع شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 324 حتى الآن، منهم 87 شهيدا من المعلومة هوياتهم منذ بدء حرب الإبادة، بينهم 51 أسيرا من قطاع غزة والاحتلال يواصل قتل الأسرى العزل في سجونه تحت سمع وبصر المجتمع الدولي دون رادع يحد من عمليات القتل المستمرة خارج إطار القانون.

لكن هذه الإحصائية لعدد الشهداء من الحركة الأسيرة الفلسطينية لم تشمل جثامين مئات الشهداء من أبناء شعبنا في قطاع غزة الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم وقتلهم وسرقة أعضائهم ومن ثم إعادتهم في شاحنات إلى القطاع. إذ إنه وفقاً للتقارير الواردة بين أكتوبر 2025 ويناير 2026، أرسلت حكومة العدو مئات الجثامين على دفعات متعددة إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم، وتم نقلهم إلى مستشفى ناصر في خان يونس ومستشفى الشفاء في غزة، وسط صعوبات بالغة في التعرف على هوياتهم. حيث جرى التعرف فقط على هوية (90) شهيداً فقط من أصل (330) شهيداً ، وذلك وفق تصريح المتحدث باسم الأدلة الجنائية في غزة محمود عاشور بتاريخ 23 نوفمبر/ تشرين ثاني 2025 .

 

الأهداف المتوخاة من هذا القانون

لم يصدر مثل هذا القانون في الفترات السابقة لحكم حزب العمال ولحكم أحزاب اليمين من الليكود وكاديما وغيرهما، وإن كان مضمونه قد طبق في مئات الحالات بدون صدور مثل هذا القانون عبر ممارسات التعذيب والتجويع والإهمال الطبي المتعمد ..إلخ. لكن حكومة إئتلاف اليمين الفاشي بزعامة مجرم الحرب نتنياهو، استجابت لطلبات اليمين الديني المتطرف ممثلا بحزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسمئيل سيموررتش وبحزب القوة اليهودية بزعامة أيتمار بن غفير لإصدار هذا القانون في سياق تنفيذ سياقات توراتية مزعومة وتلمودية "كسفر يوشع" الذي ينص على الإبادة وقتل الرجال والنساء والأطفال .

والأهداف المتوخاة من هذا القانون تتمثل فيما يلي:

  1. ضرب البعد المقاوم لدى المقاتل الفلسطيني بحيث لا يلجأ إلى ممارسة قتل الجنود والمستوطنين، خشية من وقوعه في الأسر ومواجهة عقوبة الإعدام.
  2. الضغط على المجتمع الفلسطيني، بأن لا يدعم استراتيجية المقاومة المسلحة بحيث يعزل المقاومة عن حاضنتها الجماهيرية.
  3. توفير الدعم لدعاة الاستسلام – على محدوديتهم – الذي يعملون بطرق أخرى للتكيف مع متطلبات المشروع الصهيو أمريكي ، بعد أن تحولوا إلى وكيل أمني للاحتلال.

لكن هذه المحاولات لن تجدي مع المقاوم الفلسطيني لأنه في نضاله اليومي ضد الاحتلال يعلم بأنه قد يستشهد أو يقع أسيراً، وقد أعد نفسه لأحد الاحتمالين إدراكاً منه أن طريق النصر والتحرير معبد بالشهداء .

وحسب العديد من المراقبين الغربيين، فإن هذا القانون الفاشي لن يردع هجمات المقاومة الفلسطينية بل سيأتي بنتائج عكسية على المستوى الأمني والسياسي، وقد يسهم في خلق حالة كبيرة من الهجمات الفلسطينية وفي تعميق عزلة الكيان الصهيوني.

ويتجاهل العدو الصهيوني عن غباء حقيقة أن المجتمع الفلسطيني مجتمع مقاوم وليس مجرد حاضنة اجتماعية للمقاومة، وأكبر دليل على ذلك الانتفاضات الجماهيرية المتلاحقة ضد الاحتلال بدءاً من هبة يوم الأرض ( 1976) مروراً بانتفاضة الحجارة ( 1987- 1993) وهبة النفق (1996) وانتفاضة الأقصى( 2000-2006) وهبة السكاكين 2015- 2016 ، وهبّة البوابات الإلكترونية ( هبة باب الأسباط) يوليو/تموز 2017 وهبة باب الرحمة فبراير/شباط 2019 ، وهبة الشيخ جراح مايو (أيار) 2021 التي جاءت في مناخ معركة سيف القدس .

 

من يتحمل المسؤولية

صدور هذا القرار الفاشي وقبله من ممارسات قتل ممنهج ضد الأسرى الفلسطينيين جاء في ظروف وعوامل يجب التأشير عليها بقوة، وبدون مجاملات تحت مبرر وفزاعة الوحدة الوطنية وإنهاء الإنقسام وعدم استعداء الوسطاء ، وأبرز هذه العوامل :

أولاً: الموقف البائس والمتردي و (...) من قبل السلطة الفلسطينية حيال قضية الأسرى ممثلاً بوقف مخصصاتهم ومخصصات أسرهم تنفيذا للإملاءات الصهيو أمريكية التي تعتبر هذه المخصصات مكافأة للإرهاب .

ثانياً : دور السلطة في ضرب وحدة الحركة الأسيرة وإفشال إضراباتها ، ولعل موقفها من إضراب الأسرى التاريخي عام 2017- على سبيل المثال لا الحصر - لمؤشر على ذلك حين سعت إلى منع الإضراب من تحقيق أهدافه كون الأسير القائد مروان البرغوثي هو المحرك الرئيس للإضراب.

ثالثاً: تحجيم دور وزارة شؤون الأسرى، وتحويلها إلى هيئة ضعيفة بميزانية محدودة جداً وتغيير قياداتها، بحيث ينحصر دورها في سياق بيروقراطي، لكنها رغم كل المعوقات عملت دعم الأسرى في السياق الحقوقي إلى جانب نادي الأسير الفلسطيني، وفي بلورة قضيتهم والمشاركة في الاعتصامات الخاصة بقضية الأسرى.

رابعاً: التقصير العربي الرسمي حيال قضية الأسرى، والذي تجلى في المفاوضات حول قضية تبادل الأسرى بعد أن تمكنت المقاومة من أسر المئات من الصهاينة في معركة السابع من أكتوبر 2023، وفي الذاكرة أن القائد الشهيد يحيى السنوار أكد بعد معركة الطوفان على مبدأ "الكل مقابل الكل" في قضية تبادل الأسرى وعمل المفاوض الفلسطيني الدكتور خليل الحية على تنفيذ هذا المبدأ في المفاوضات .

لكن الوسيطين المصري وال قطر ي ضغطا على المفاوض الفلسطيني ليتخلى عن "مبدأ الكل مقابل الكل"، بوصفه " أنه غير ممكن" وأن الجانب الصهيوني لن يوافق عليه، ما انعكس بالسلب على قضية التبادل لدرجة أن المفاوض الصهيوني لم يلتزم بما تم التوافق عليه مع الوسيطين بشأن أعداد الأسرى المحكومين بالمؤبد والأحكام العالية، ما حال دون تحرير قيادات عديدة وازنة مثل عبد الله البرغوثي وأحمد سعدات ومروان وغيرهم من قيادات العمل العسكري في فصائل المقاومة.

نحو خطوات وإجراءات عملية لتحرير الأسرى

يتوجب على فصائل المقاومة ومؤسسات المجتمع المدني الوطنية - التي لا تتلقى تمويلاً أجنبيا- أن تشتق مهام وإجراءات عملية وملموسة لتحرير الأسرى وحشر قانون إعدام الأسرى وحكومة الائتلاف اليمين الصهيوني في خانة اليأس من خلال برنامج بعناوين محددة أبرزها :

  1. العمل على تحرير الأسرى، من خلال الفعل المقاوم عبر أسر جنود صهاينة لتجري مبادلتهم بآلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، كما حصل في عمليات التبادل التي أجرتها فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله سابقا وفي عمليات التبادل بعد معركة الطوفان .

وتقع المسؤولية الكبرى في هذا السياق على فصائل المقاومة في الضفة الغربية بأن تضع على أجندتها اليومية أسر جنود ومستوطنين صهاينة لإجراء عمليات تبادل جديدة للأسرى.

  1. التواصل مع الحلفاء في محور المقاومة وتحديداً حزب الله وإيران، بشأن إصطياد وأسر جنود إسرائيليين وأمريكان، لإجراء عمليات تبادل للأسرى، وبهذا الصدد نذكر بنداء الناطق الرسمي باسم كتائب القسام " أبو عبيدة" لحزب الله، بأن يأسر جنود صهاينة لإفشال قانون إعدام الأسرى لا سيما وأن حزب الله يخوض حرباً ظافرة ضد الاحتلال في جنوب لبنان وفي عمق الكيان الصهيوني منذ الثاني من نيسان / إبريل الماضي.
  2. يتوجب على فصائل المقاومة أن تعمل على تظهير قضية الأسرى ومعاناتهم إعلامياً على المستوى الدولي، وكشف خطورة وأبعاد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وأن تتواصل مع الهيئات والقوى التي لعبت دوراً فاعلاً في تحريك الشارع الغربي ضد حرب الإبادة في قطاع غزة من أجل أن تأخذ دورها في الانتصار لقضية الأسرى بالطرق التي تراها ملائمة .

وأخيراً : يتوجب على فصائل المقاومة أن تعمل على تفعيل اتفاقية جنيف الرابعة بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 194 ، ونقل قضية الأسرى وقانون إعدام الأسرى إلى المحافل الدولية ( مجلس الأمن / الجمعية العامة للأمم المتحدة / مجلس حقوق الإنسان / محكمة العدل الدولية. وذلك في سياق أن الأسرى الفلسطينيين هم عنوان النضال الرئيسي في إطار حركة التحرر الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال الكولونيالي الصهيوني ، بالإضافة إلى السياق الحقوقي والقانوني .